الشيخ المحمودي

186

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

وأيضا فالرزق أعم من الغذاء بإجماع المعتزلة وجمهور الأشاعرة ، ولا يشترط الانتفاع به بالفعل ، فالنقض بالمتغذي طول عمره بالحرام إنّما يرد لو لم ينتفع مدة عمره بشيء انتفاعا محللا ، ولا يشرب الماء ولا يتنفس الهواء ، بل ولا يتمكن من الانتفاع بذلك أصلا ، وظاهر أنّ هذا مما لا يوجد . وللمعتزلة أن يقولوا أيضا : لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا - لا من الحلال ولا الحرام - يلزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جوابكم هو جوابنا ، انتهى . وقال بعض الأكابر : لا شك أنّ ما نشاهده من الموجودات أعمّ من الجماد والنبات والحيوان والإنسان لا يكفيها أصل الوجود للبقاء ، بل تستمد في بقائها بأمور أخر خارجة عن وجودها ، إمّا بضمها إلى أنفسها بالإقتيات والاغتذاء ، أو بوجه آخر بالإيواء واللبس والتّناسل ونحوها ، وهذا المعنى في الإنسان وسائر أقسام الحيوان أوضح ، وهو الرزق الّذي عليه يتوقف بقاء أقسام الحيوان ، من غير فرق في ذلك بينها أصلا ، وقد قال تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فالرزق مما لا يستغني عنه موجود في بقائه ، وإذ خلق اللّه هذه الأشياء لبقائها ، فقد خلق لها رزقا ، فاستناد البقاء إليه تعالى يوجب استناد الرزق إليه من غير شك ، قال تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ « 1 » وكون الرزق بهذا المعنى أمرا تكوينيا غير مربوط بعالم التّكليف كالشمس في رابعة النهار ، فإنّ الحدوث والبقاء ولوازم كلّ منهما أمور

--> ( 1 ) الآية 23 ، من سورة الذاريات : 51 .